"كنت أعلم هذا.."..
نطق "حسن" العبارة في أسى، وهو يربت على كتف "صبري"، الذي جلس خلف مكتبه واجماً،
فتابع "حسن":
- لم يكن من الممكن أبداً أن يوافقوا على فكرة كهذه.. ليس لأنها فكرة سيئة، ولكن
لأنها تسبق زماننا بكثير يا رجل.. ألا تعرف الحكمة التي تقول: "ويل لمن سبق عقله
زمانه".
أدار "صبري" عينيه إليه في صمت، استغرق نصف دقيقة، قبل أن يقول في خفوت:
- أظنهم خسروا فرصة نادرة.
ربَت "حسن" على كتفه مرة أخرى، وقال:
- أنا واثق من هذا.. ولكنهم لن يدركوا أبداً ما فقدوه.
قال "صبري" في حزم:
- سيدركونه، لو قدمنا لهم نموذجاً واحداً.
هزَّ "حسن" رأسه، قائلاً:
- ومن أين لنا بهذا؟!.. هل تتصوَّر أن أي مخلوق يمكن أن يضع ابنه، في تجربة كهذه.
هتف "صبري" في انفعال:
- ألا تدرك ما سيصبح عليه ذلك الابن؟!.. أراهنك أنه سيصبح حالة فريدة في عالم
المخابرات.. وربما في عالم الأرقام القياسية أيضاً.
قال "حسن":
- ربما، ولكن هذا حتماً سيحرمه الكثير.. والكثير جداً..
وأي أب سيفكر في هذا، وسيفضِّل أن يحظى ابنه بحياة عادية.
ثم مال نحوه، وواجهه مباشرة، وهو يكمل:
- أنت شخصياً، حاول أن تسأل نفسك.. هل يمكن أن تعرِّض ابنك لهذا؟!
اتسعت عينا "صبري"، وهو يحدِّق فيه، فتابع في حزم:
هل رأيت كيف أفزعتك الفكرة؟!
تألَّقت عينا "صبري"، على نحو عجيب، وهو يقول:
- وماذا لو أنها لم تفزعني؟!
هتف "حسن":
- في هذه الحالة..
استوقفه "صبري" بإشارة صارمة من يده، قبل أن يكمل عبارته، وغمغم في انفعال عجيب:
- كفى... لا أريد أن أسمع كلمة أخرى.
ثم تراجع في مقعده، وشرد بصره على نحو عجيب، وهو يضيف:
- أريد أن أفكِّر.
كان لدى "حسن" الكثير ليقوله، إلا أنه احترم موقفه، ولاذ بالصمت، وتركه يفكِّر..
ويفكِّر..
ويفكِّر..
بمنتهى العمق..