من يصنع من ؟
يراودني هذا السؤال كثيراً ، فألجأ إلى طيات الزمان ؛ لأجد ما يثلج الصدر ، فينتهي بي المطاف على شواطئ العظمة ، حيث هناك ترسو أفلاك الأوفياء ، وتقف مجرات النبلاء .
خذ أي عظيم تراه ، وضعه تحت مجهر دقيق ، وقلب صفحات حياته ، محاولاً الإجابة على سؤال لا يفارق مخيلة إنسان .
هل أتاح الزمان له فرصاً فاغتنمها ، فغدا مثلاً يحتذى ؟ أم فيه مؤهلات رشحته للعلا ، ونهضت به إلى سماء الرقي ، فملك بذلك زمام الزمان ، فرضخ لسماته ، وبوأه مكان الشمس والقمر ؟
فإن كانت الأولى ، فأين المغتنمون ؟ وإن كانت الأخرى ـ وهو ما أميل إليه ـ ، فأين النبلاء والأوفياء ؟ إذ لا يجتمع النبل ولا الوفاء إلا في العظماء ، والعظيم يتعاون قلبه وعقله وروحه على صنع تاريخه ، وأي تاريخ جبل بالعقل وامتزج بالقلب وغذي بالروح ، لا يأفل نوره ، و لا تخبو ناره ...
كذلك كانت صناعتنا لتاريخنا ، الذي انبثق شعاعه مع بزوغ فجر النبوة ، وتكلل جبينه بتاج الرسالة وذهبها وورقها ، الموشح بعظمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الموشى بروعة كفاحه ، المرصع بنبل فدائه ، المطرز بعناء هجرته ...
للهجرة عظيم الأثر في تحويل مجرى التاريخ ، إنها كانت لحداً للباطل العنيد ، ونصراً للحق الوليد ، و امتداداً للأمد البعيد ...
الهجرة ليست بدءاً للتاريخ الإسلامي فحسب ، بل هي ولادة التاريخ الإنساني الذي ولد فيه الإنسان من جديد ، فعاش في ظلها الظليل بأمان وسلام ، وتآخى تحت دثارها في ود ووئام ، على مر الدهور، وكر العصور ...
لولا الهجرة لما كانت دمشق وبغداد ، ولما وجدت قرطبة والزهراء ، و لولا الهجرة لما كان للعرب خلود في التاريخ ، فلا جرم بعد ئذ ؛ أن يتطلع سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ ببعد نظره ، وفكره الثاقب ، فيعتبر الهجرة بدء التاريخ الإسلامي ، لم لا ؟ وقد رسم طريقها أعظم شخصية منح التاريخ خلداً ، ووهب الإنسانية عزاً ومجداً ، وشيد لهما ذكراً { سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم } .
تحيات بنت السعوديه غـــــــــير